كتبهامدونة الكتاب والمسرحي أحمد الفطناسي ، في 13 فبراير 2007
الساعة: 10:45 ص
مرارة
الزمن وشم على أجسامهم أثارا أجسادهم تخطو بتقويسة الظهر، عابرين الممر الذي يحتفي بشكل اسمنتي مستطيل التكوين القابع هناك على la digue de la Loire الذي لا يخرج من حالة اكفهرار إلا مرة واحدة في الاسبوع هو يوم الأحد، يوم السوق، قاطرة الصمت بابه نحو إحدى الغرف والتي تمثل كل واحدة منها تاريخ بشاعة الجهل وإثم الأفواه التي لا تفوح إلا برائحة الكراهية..بالأمس وطئت قدماي هذه الأرض يومها كان دم الشباب يدخ في شريانه خرائط خطط لها بساعده القوي الذي يقوم بكل شيء، واليوم هو بتجاعيد توشي بمعاناة، "هو الآن هنا، ينتظر النداء الأخير" ليس لكونه يريد ذلك بل لكونه غاص حتى النخاع في حياة أسماها حياة العزاب، أو ما يسمونها " les célibataires géographiques" كانت هذه العبارة تجعله ينفجر بالضحك لأن لحظتها تظهر أمام أعينه صورة أولاده ب"لبلاد" وتشتم حاسته رائحتها وتظهر أمامه، كل ألوان بلاده الزاهية الذي اكتشف أنه بدأ يفتقد مذاقها وشكلها لم يشعر بالندم يوما على تلك الأمنيات التي تأخرت ولم يؤجلها بل سرقها "المؤجل"، رفع سبحته حتى صارت قلادة تزين طوقه وهمس بمرارة الأسى " منذ زمن لم أعد أجد راحتي إلا وأنا بين أحضان مقعد طائرة وهي ذاهبة أو هي قادمة.." وبنبرة تحمل الكثير من "نوستالجيا" الأمس سوى جلسة الكرسي الوحيد بالغرفة ..
-غذا يوم السوق ..
بعد أن استوى في جلسته انشغل بتأمل الغرفة، التي تضم أربعة أسرة بما فيهن سريره والذي يقضي النهار كله متكئا على إحدى جدارات الغرفة حتى يترك مكانه لمساحة تستغل لقليل من الفسحة بالغرفة ..انشغل بالسفر مع الذاكرة وكأنه يحاول إعادة ترتيب كل الصور..ذكريات كل من مروا..منذ أن حل بهذه الغرفة لم يعد يتذكر متى أو هو يتعمد نسيان يوم قدومه الى هنا..كما يفعل الآن بانشغال ذهنه حتى ينسى أو يتناسى آلام ظهره وكل مفاصله وحجرجة صدره من آلام جراء الغبار والبخار السام الذي تسرب لرئتيه يوم كان عاملا بورشة صباغة بالمفاعل النووي الوحيد ب Aude طيلة سبع سنوات، وهكذا تضم السرائر تاريخا منسيا لأناس مروا من هنا، دون أن تحتفي بهم الجمهورية ‼‼ هم من سلخوا أرواحهم من أجلها ومن أجل قيمها السامية…ابتسم وهو يتأمل تشكيلات أسلاك السرير المتكئ على الجدار والذي لم يكن "لحاف" تمتطي صهوته ليس لأنه لم يستطع بل لأنهم قد أخذوه وهو الآن مكان صديقه بالغرفة ينتظر أن يأتوا به بين فينة وأخرى بعد أن جمعوا لصاحب السرير واجب أجرة المكان الذي يحتله الآن ، بحكم أنه لم يترك تعويضات RMI إلا ما يسد به الرمق خلال الشهر وأرسل الباقي الى البلدة لأن ابنة ابنته مريضة وتحتاج للعلاج ، لكن زوجها لم يرقه الأمر فشرب بالمال نبيذا أحمرا فرنسيا معتقا ، " في نخب الجمهورية الرائعة.." المال الذي جمعوه كتبرع من جل ساكنة "الفولي" ودفعوه للإدراة حتى يعيدوا "لحاف" الوطني لمكانه ..كان هنا ورحل منذ أزيد من عشرين يوما والسرير الثالث بالغرفة ينتظر وصول ضيفه الجديد..
- Bonjour ; c’est vous Mr Omar !??
التفت ليجد شخصا تجاوز الثلاثين سنة واقف بباب الغرفة
-هل أصبح "لفوايي" يستقبل حتى هذا العمر؟؟
هذا مادار بخاطره وهو يتأمل الشخص الواقف بالباب الذي يحمل محفظة بيده ..
- Je m’appelle youssef Gana..maintenent..
- Maintenant ?!!!
- لأن أمي كانت تناديني بجوزيف طيلة حياتي..
تذكر صاحب السرير الثالث كان لقبه "كانا" لحظتها أشار بأصبعه اتجاه السرير..
- نعم أنا ابنه..
تذكر تلصص أذنيه لهمسات يوسف التي كان "يهدرز" بكلام غريب كل ليلة هل كان يتحسس خطوات الموت عندما كان في آخر أيام عمره وفي كل صباح يصر على أن يفتح محفظة أوراقه ويخرج منها ورقة شهادة تأمين obsèques ويلح في العديد من المرات على المشرفة الاجتماعية أن تقرأها له بصوت مرتفع يقولون " أن الموت تشرع في تحسس طريقها الى أجسادنا أربعين يوما قبل لحظة الوفاة ..قليلون هم من دفنوا بمقبرة أوغليون ومن بينهم هو "
-ألهذا السبب كان يوصي ويعيد الوصاية على أن يدفن بها ..
" إنها صورة أمي عندما كانت شابة" مد يهد الى الصورة، بجانبها كانت صورة الأب والأم وهما بثياب الزفاف ..قبلها يوسف وراح يسرد قصته على عمر بعد أـن استلقى فوق السرير الذي يحضن شيخوخة أبيه .." عشت حياتي وأنا أنتظر والدي الذي كان يعشق السفر والترحال من بلدة الى بلدة أتربص قدومه في كل لحظة وعند كل طرقة باب في آخر الليل، يخفق قلبي معتقدا أني أخيرا سأكتشف ملامحه التي كنت أجهلها لقد أخبرتني أمي أنه قد سافر وهي في شهرها السابع وكم من مرة رميت برسائل داخل قارورة للبحر أدعو فيها أبي أن يعود لأني اشتقت إليه وحتى عندما كانت تأتي احتجاجاتي المراهقة تعبر عن رغبتي في التعرف عن ملامحه ولو من خلال صور فوتوغرافية كانت تجيبني والدتي "أنظر لنفسك في المرآة هناك ستكتشفه ، ملامح والدك من ملامحك إنك صورة طبق الأصل" وعندما تجاوزت سن الرشد كان سؤال واحد يطمئنني لما لم تعاشر أمي أي رجل آخر بعد رحيل والدي؟؟ أدركت حينها أنها تحبه وأنه كان رجلا رائعا، وحتى وإن لم يعد فلا يهم ، إلا أن وصل اليوم الثالث قبل وفاتها حيث نادتني وسلمتني محفظة تحمل نفس ما بهذه المحفظة، وأخبرتني أن اسمي يوسف كأبي وليس جوزيف كما في الأوراق وأن أبي هاجر للخارج وعشق فرانسواز وتزوجها عن حب وعاش معها أكثر من ست سنوات إلا أن وقعت أمور لم يرد إخباري بها كانت هي بريئة منها إلا أن نخوته جعلته يغادر البيت دون رجعة، ومنذ أن دفنتها وأنا أبحث عنه الى اليوم حيث أخبرتني إدراة لفوايي أنه قد توفي يوم .."
-إنه نفس يوم وفاة والدتك…"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج