قصة أميرة آسيف
كتبهامدونة الكتاب والمسرحي أحمد الفطناسي ، في 24 يناير 2007 الساعة: 15:31 م
إلى كل من يعانق الحمق في زرقه المدينة الشبح
قرب صخرة "الجرف الأعور" كان الطفل يترك ساقيه يداعبان انعكاسات الضوء البنفسجية على حبات الرمل،التفت وراءه ،وجد المكان خاليا من البشر ..حتى الصدى يلفه ارتطام الأمواج و هديل الحمام..الباب الشمالي للمدينة مفتوح تماما ..امتدت نظرة الطفل نحو الأقواس المرئية ..
- "إنها مقفلة تماما!…"
صوت الزغاريد القادمة من بعيد تملأ المكان.. تقترب الأصوات أكثر..في الساحة يظهر طيف المجذوب وهو يخطو بسرعة متكئا على عصاه الغليظة ..
- "الحكمة كلمة الدهشة !و الحضرة غذاء الروح! !.."
إنها العبارة التي كان يحلو للمجذوب ترديدها . هي الآن، تصل إلى أذني الطفل وكأنها تعويذة سحرية ..يظل يراقب خطوات المجذوب المهرولة , تظل العبارة وراءه دائما حتى يختفي وسط الزحام من الظل، لتعود الزغاريد لتأججها و كأن الأسوار ترددها خلفه.يتقدم الموكب الجنائزي متجها نحو الباب المفتوح دائما ..باب الشمال الغربي "باب البحر " متبوعا بأهالي المدينة يتوسطهم المجذوب بلباسه المألوف المطرز بقطع القماش الملونة و سحنات وجهه التي تخفيها لحيته الكثيفة ..يعيد نفس التفاصيل دون كلل..يراقبه الطفل وهو مجحوظ العينينفارغا فمه دون كلام ..
-"كانت أميرة عادلة، عالمة، جميلة،عاشت للمدينة ولأهلها !"
اقترب الطفل محمولا بالرضي قربه.. أمسكه بيده الرطبة وأتمم..( كل صباح كانت تأتي من البحر في موكب ملكي بهيج..سفن متراصة بيضاء بأشرعتها، لا تفارقها النوارس..تمضي الأميرة اليوم كله في حل المشاكل أهل المدينة و رعاية مصالحها..إلى أن جاء اليوم الذي أخبرت فيه الجميع بأن باب سعادتهم سيفتح:
-قرب جزيرتي.. كنوز من الفضة، يمكنكم النهل منها كما تشاءون !
من يومها و الرجال يبحرون عباب البحر بحثا عن جزيرة أميرتهم و كنوزها الفضية التي لا تحصى…أما الشيوخ و النسوة فيرابطون الليل والنهاراللذين لا ينتهيان، يوقدون مشاعلا أسموها "أسفو"<2> خوفا من ارتطام مراكب أبناءهم و أزواجهم بصخور الشاطئ..و هكذا كان إلى أن ماتت الأميرة العذراء و هي ترعي شؤون مدينتها ..ماتت قرب مكان لا تنضب خضرته طيلة أيام السنة.." أسيف " الوادي الذي تحولت جنباته لمرقد دائم و أبدي للأميرة ظلت ترقب منه المدينة التي أحبتها..هنا كانت تعقد مجالس "الفرج" و فيه تروي عطش المظلوم هنا.. ظل الموج يداعب سكينة المكان الذي غاب عنه ضوءه الباهي للأبد..
قرر مجلس الأعيان و الحكماء،أن يحرم على الرجال زيارة المكان ابتداء من صباح اليوم الموالي لدفن الأميرة. لأنها ندرت حياتها للناس و لم تفكر يوما في نفسها..قيل أنها ماتت عذراء و هي الجميلة الفاتنة.. ماتت لتدفن في المكان الذي شاهدتها النساء تستحم فيه في إحدى ليالي فصل الربيع .. ليلة اكتمال البدر لتمامه ..ليلتها شعرت النسوة بأن البحر فتح معبرا أثيريا حتى تتمكن الأميرة الفاتنة من الاستحمام . لكن النسوة انتبهن إلى أن الماء الذي تدفق على جسدها كان يمتزج بضوء بهاء القمر ..بل إن الأشعة البيضاء كانت تضيء المكان بكامله..
حين ذهبت النساء لزيارة قبرها في اليوم الموالي.. وجدن الصخرة المجاورة لقبرها تتدفق ماءا عذبا زلالا . قال الحفار بدهشة لزوجته..
- لكني بالأمس، جلبت الماء اللازم معي من المدينة !من أين تدفق هذا النبع!!من أين..»
كانت أميرة عادلة عالمة و جميلة، لكن غيابها تحول لمحفل ديني تصر النساء على إحياءه ، عندما يغتسلن من الماء المتدفق دوما .. وكانت تقاسيم الصلاة الأبدية حيث تمتص الأتربة دنس النسوة إلى الأبد ..
يمضي الموكب الجنائزي ..و يستمر الطفل في الاستحمام بالموجة، لتغسل ساقيه من دمث تراب المدينة و الناس..
<1> أسيف: كلمة أمازيغية تعني الوادي.
<2> أسفو: كلمة أمازيغية تعني المشعل.
محكية "أميرة أسيف" من محكيات ملح دادا-ط1/2003
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























