كتبهامدونة الكتاب والمسرحي أحمد الفطناسي ، في 24 يناير 2007
الساعة: 15:21 م
من الذي يقوم برحلة العبور؟؟ أنا أم شخص آخر، هل الجسد أم العقل وحده حين اختار أقصى عبور زمني كي يعيش لحظة عبوره، دون الحاجة للتفكير في الجسد، هذا الآخير الذي طالما رغب أن يعيش حقيقة وجوده هنا والآن، مستشعرا حالة العبور والحركة،..كيف يمكن أن نكون هنا على هذا المجسم الحديدي والذي قيل أنه لا يطفو على الماء؟؟؟ لما يطفو إذن الآن؟؟ في الرقعة..على يميني..على يساري..أمامي..ورائي..طنجة الجبل، وجبل طارق أهو الجبل بالتأكيد، يظلون هنا على امتداد مسافة العبور التي تصل الى ساعتين ونصف من عمر هذا المجسم الحديدي حتى يتسنى للنظرة أن تكتشف الوهم، وثمة حقيقة أخرى، فكلما حفرت الذاكرة نوافذ البحث داخل وعينا من أجل تأمل اللحظة، لحظة العبور تلك إلا وتزاحمت صور الوقائع أو هكذا يبدو وضجيجها مع الحلم، صور نخطو اتجاهها عابرين تفاصيلها كي ندرك هامش الوهم العريض..عبوري الآن هل هو عبور لهذا الفضاء/الآخر وحينها هل سأكون أنا أم الآخر؟؟؟ هو حين يعبر أم أنا العابر الآن؟؟ وهل سأصل الى نفسي حين أعبر لضفة الآخر؟؟..
- ألهذا الحد يعتبر عبوري حدثا عظيما؟‼
تزيد لحظة التفتيش من تعميق لسؤال عبوري الاستثنائي رجل الأمن الذي يتفحص الأوراق، جسدي، ملامحي، وعيناي..وكأنها لحظة استنطاق للحظتي كلامه أشبه بالحجر، همهماته تلاعب أعصابي، ماذا لو تغير لون بشرتي عن بشرة الصورة المثبتة بجواز السفر..
- الاسم؟؟
- العمل؟؟
- ما هو اتجاهك؟؟
- ……؟؟؟؟؟؟
كنت أجيب وعيوني على مرفأ السفن في لحظة استثنائية جعلتني أتساءل .."هل عبوري يستحق هذا الاستنطاق؟؟" ولأول مرة بدت ابتسامة خفيفة على محياه قال مقاطعا لحظة اندهاشي ..
- هل أنت ابن هذه القبيلة؟؟
- لا..
عادت صلابة وجهه الى وضعها المعتاد الآلي، حينها أعدت التفكير في هذا الاسم العائلي وتساءلت في قرارة نفسي أحيانا يترك لنا الآباء والأجداد وصايا نحملها دون أن يكون لنا الحق في تغييرها أو حتى معرفة جذورها، ظل بصري يحوم على بوابات المرور بالميناء كنت على وجه رؤية الضفة الأخرى لكنني الآن لا أهتم بهذا الآخر إنه شبيه بالذي أمامي ..
- تحرك..خذ جوازك..
- آه‼
أمسكت جواز سفري خطوت خطوتين أدرت بصري للوراء تبدو طنجة كامرآة بحرية كانت رغبتي أن أزورها من بوابة مقهى صاحب "الخبز الحافي" كنت سأجلس على طاولة المقهى، وسأطلب شايا في كأس وسأنتظر قدومه لأسلم عليه ولأعبر له عن امتنناني وكالعادة سأغادر المقهى لأنه لم يأت..ولن يأتي أبدا‼ عادت خطواتي ترسم أفق عبوري أنا المتأبط لحرقة الأسئلة، نصل السيوف الحادة تعيد عقارب الرغبة لحياة نخاف أن نحياها لأن آلاتنا صدئة ..يتحول العبور لآفاق جديدة لمغامرة اكتشاف صورة لا تبدو ثابتة إلا من خلال الصورة الأخرى الوسيطة ولعلها صورة تابثة غير متحولة، تابثة الى الحد الذي تسكن فيه الوريقات البيضاء أو فيلما تافها، لا زالت دقات ونبضات قلبي تعيد تركيب المشهد أنا الآن قائد خطواته أنا الذي أعدت لحظة الشك لجسدي أتساءل ما هو تابت الآن، هو أنني هنا، أما هو فيوجد في الجهة المقابلة هناك ..أمامي طنجة على قمة الجبل تبتعد الآن كي تولد في الأفق، وفي لحظة للاكتشاف بالنسبة لي ولها موعد تابت في هذا اليوم من أيام غشت. حيث تكون طنجة جسرا وعشا للعابرين للوطن والحالمين بأوطان أخرى..اتجهت لمحطة العبور على الساعة الواحدة والنصف أما هو فاختار الثالثة والنصف بعد الزوال وحينما سأصل سأتجه عبر نفس مسالك عبوره، أرمق ببصري ساعتي المثبتة في معصمي ستكون الساعة حينها الرابعة بعد الزوال علما أن الساعة بالميناء تشير للسادسة، أما هو فحين يرفع عينيه لساعة مفتشية شرطة الحدود فسيكتشف أنها الرابعة فقط بعد الزوال من توقيت بلاد الشمس وللعبة الزمن حكاية شد وجذب بيني وبينه. لكن "أنا" رسمتها من عالم شفاف، متخيلي الباقي أمامي بكل نتوءاته العابرة، هو العابر من "النحن" وفي عبوري إعادة ترسيم لهوية "أنا" و"النحن" وهو الآخر المتشكك الحضور، هنا بين حدود الشمال والجنوب أنا الصدى لريحهما معا، أنا الحامل لحبيبات الماء والرمل، رمل الجنوب الحار الساخن، والبحر هنا وسيظل لماء الشمال البارد، وكأنها تقاطعات نفسية لحالات الحصار كلانا امتطى سفينة العبور هو بقربي الآن يشعر بوجودي، يدي الساخنة الخشنة تلاعب بضوء الشمس اللافح قسمات هذه البرودة ولعلها إحدى أولى لحظات الصدام صدام الجسد واللون والجيولوجيا، وما تبقى يكمله هذا العبور..كنت هنا وكانت الباخرة التي تنقله لهناك، لا أراه ولا يراني، أشعر بوجوده كشكل ظاهر للعيان، هو الآن في الجهة الغربية من سطح الباخرة ونظره اتجاه الشرق، يتحسس بيديه رطوبة نقط الماء التي تكسو الحبال الغليظة للباخرة وفكره مشغول بسؤال هام..
- لما تشرق الشمس دائما من هناك‼؟
وجودي بالجهة الشرقية للباخرة ونظري اتجاه الغروب وكعادتي اختلفت مع نعلي الصيفي وتركته حرا طليقا كقدمي العاريتين اللذين يجوبان سطح السفينة ذهابا وإيابا كلانا ينظر للآخر، يستشعر وجوده، يتحسسه، كلانا سيصل الى الهنالك، هل كان مثلي يساءل حبيبات رذاذ البحر المنعكسة في فضاء السفينة هو الآن يعيد سؤال "هرقل" الأسطورة مثلي كلانا في لحظة الصفر، ومنذ أن اجتاح "هرقل" حبيبات الماء قاطعا فضاءات عالمين ملتحمين كانا امتدادا طبيعيا لتربتي، أنا الآن مجبر على تشفير لغة الريح كي يظل هو بقربي، معي، وكي أظل قرب نفسي حتى لا يضطر "هرقل" للرحيل..وعلى باب الجزيرة الخضراء نزلنا كلانا في أول الخطو على أرض ترك لي أجدادي بها رسوما لمعبر خطاي أعدت نعلي الريفي لقدما كي لا أخال نفسي مجذوبا يطرف أبواب الأندلس، الشرطي يتفحص جواز سفري، ويتحدث بلغة موليير التي كنت أرد عليه بها بطلاقة الى أن أرغمني تكرار جملته والتي تحمل إيقاعا لحنيا خاصا من الصمت، نهرني هو من الخلف قائلا:
- إنه يطلب منك أن تدلي له بدليل يزكي سبب عبورك؟ فافعل إذن..
مارسيليا 2000
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج